الغزالي
58
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
وكان من سياسة أنوشروان أن بحيث لو أن رجلا ألقى في مكان حملا من ذهب وبقي مهما بقي في موضعه لم يقدر أحد على إزالته من مكانه إلّا صاحبه . وكان يونان وزير أنوشروان متقدّما عنده فقال له يوما : أيها الملك لا تركن للأشرار فتخرب ولايتك وتفقر رعيتك ، فيصير حينئذ ملكك إلى الخراب وسلطانك إلى الفقر ، ويقبح اسمك في الدّنيا . فكتب أنوشروان إلى عماله : إن أخبرت أنه قد بقي في جميع مملكتي أرض خراب سوى أرض سبخة لا تقبل الزرع صلبت عامل تلك الأرض . وخراب الأرض من شيئين : أحدهما عجز الملك ، والثاني جوره . وكان الملوك في ذلك الزمان يتفاخرون بالعمارة ويتحاسدون على اجتماع المملكة . حكاية : أرسل ملك هندوستان رسولا إلى الملك العادل كسرى أنوشروان فقال : أنا أولى بالملك منك ، فأنفذ لي خراج ولايتك ! فأمر أنوشروان بإنزال الرسول ، ثم جمع في اليوم الثاني أرباب دولته وأعيان مملكته ، وأذن للرسول في الدخول إليه ، فلمّا مثل بين يديه قال له : اسمع جواب رسالتك ! ثم أمر أنوشروان بإحضار صندوق ، ففتحه وأخرج منه صندوقا صغيرا ، وأخرج منه قبضة من كبر وسلّمها إلى الرسول وقال : هل في بلادكم من هذا ؟ قال : نعم من هذا عندنا كثير . فقال أنوشروان : ارجع وقل لملك الهند يجب عليك أن تعمر ولايتك فإنها خراب ، ثم تطمع بعد ذلك في ولاية عامرة ، فإنك لو طفت جميع ولايتي وطلبت أصلا واحدا من كبر لم تجده ، ولو سمعت أن في موضع من ولايتي أصلا واحدا من كبر لصلبت تلك الولاية . على الملك أن يسلك طريق الملوك الذين تقدموه ، ويعمل على سننهم ، ويقرأ كتب مواعظهم وقضاياهم ، فإنهم كانوا أطول أعمارا ، وأكثر تجاربا واعتبارا ، وإنهم فرّقوا بين الجيد والرديء ، وعرفوا الجليّ من الخفي . وكان أنوشروان مع حسن سيرته يقرأ كتب مواعظهم ، ويطلب استماع حكايتهم ، ويمضي على مناهجهم وسننهم ؛ وملوك هذا الزمان أجدر أن يفعلوا ذلك .
--> - ومنه قول القاسم بن مخيمرة : إنما زمانكم سلطانكم فإذا صلح سلطانكم صلح زمانكم وإذا فسد سلطانكم فسد زمانكم . قال النجم : قلت والأظهر في معنى الترجمة أن الناس يميلون إلى هوى السلطان فإن رغب السلطان في نوع من العلم مال الناس إليه أو في نوع من الآداب والعلاجات كالفروسية والرمي صاروا إليه . ثم قال : وأظهر ما في معناه قول عمر بن عبد العزيز : إنما السلطان سوق فما راج عنده حمل إليه .